الجاحظ

249

الحيوان

باب القول في الهدهد وأما القول في الهدهد ، فإنّ العرب والأعراب كانوا يزعمون أنّ القنزعة التي على رأسه ثواب من اللّه تعالى على ما كان من برّه لأمّه ! لأنّ أمّه لما ماتت جعل قبرها على رأسه ، فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة . والهدهد طائر منتن الريح والبدن ، من جوهره وذاته ، فربّ شيء يكون منتنا من نفسه ، من غير عرض يعرض له ، كالتيوس والحيّات وغير ذلك من أجناس الحيوان فأمّا الأعراب فيجعلون ذلك النّتن شيئا خامره بسبب تلك الجيفة التي كانت مدفونة في رأسه . وقد قال في ذلك أميّة أو غيره من شعرائهم . فأمّا أميّة فهو الذي يقول [ 1 ] : [ من الكامل ] اعلم بأنّ اللّه ليس كصنعه * صنيع ولا يخفى على اللّه ملحد وبكلّ منكرة له معروفة * أخرى على عين بما يتعمّد جدد وتوشيم ورسم علامة * وخزائن مفتوحة لا تنفد عمن أراد بها وجاب عنانها * لا يستقيم لخالق يتزيّد غيم وظلماء وغيث سحابة * أزمان كفّن واستراد الهدهد [ 2 ] يبغي القرار لأمّه ليجنّها * فبنى عليها في قفاه يمهد [ 3 ] مهدا وطيئا فاستقلّ بحمله * في الطّير يحملها ولا يتأوّد [ 4 ] من أمّه فجزى بصالح حملها * ولدا ، وكلف ظهره ما تفقد فتراه يدلح ما مشى بجنازة * فيها وما اختلف الجديد المسند [ 5 ]

--> [ 1 ] ديوان أمية 353 - 356 . [ 2 ] في ديوانه : ( استراد : خرج يبحث عن الكلأ ، وأراد خروج الهدهد باحثا عن مكان صالح لدفن أمه ) . [ 3 ] في ديوانه ( يجنها : يدفنها بالجنن ؛ وهو القبر ) . [ 4 ] في ديوانه ( تأود : تعوّج وتثنى ) . [ 5 ] في ديوانه ( دلح الرجل بحمله : مر متثاقلا غير منبسط الخطو . المسند : الدهر ) .